لم تعد المنافسة العالمية المقبلة حول الذكاء الاصطناعي تدور فقط حول الرقائق والنماذج والقدرة الحاسوبية، بل باتت تمتد إلى المعلومات والنفوذ الاستراتيجي، وإلى سلطة تحديد القواعد التي سيُسمح لهذه القوة بالعمل في إطارها.
في تموز/ يوليو 2026، اجتمع في جنيف أكثر من 4200 مشارك يمثلون نحو 170 دولة عضواً في الأمم المتحدة ضمن أول حوار عالمي سنوي للأمم المتحدة حول حوكمة الذكاء الاصطناعي. وجاء الاجتماع بعد أشهر من المشاورات وأكثر من 1500 مساهمة مكتوبة، ليعكس توافقاً دولياً متزايداً على حقيقة أساسية: الذكاء الاصطناعي يتطور بوتيرة أسرع من قدرة أنظمة الحوكمة على مواكبته.
لم يعد العالم يناقش ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى حوكمة؛ السؤال الأصعب اليوم هو: من سيصوغ هذه الحوكمة، ومصالح من ستعكسها القواعد التي ستتشكل في نهاية المطاف؟
وهذا، في جوهره، سؤال جيوسياسي. فالذكاء الاصطناعي يتجاوز تدريجياً صورته الأولى بوصفه أداة للأتمتة ورفع الكفاءة، ليتموضع عند تقاطع المنافسة الاقتصادية والقدرات العسكرية والقوة المعلوماتية والأمن السيبراني والسياسة الخارجية. وباتت الدول تنظر إلى الوصول إلى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي باعتباره أصلاً استراتيجياً، وإلى المعلومات المنتجة بواسطة الذكاء الاصطناعي باعتبارها قضية أمنية، وإلى حوكمة الذكاء الاصطناعي نفسها باعتبارها ساحة جديدة للنفوذ الدولي.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة من سباق الذكاء الاصطناعي لن تتعلق فقط بمن يطور أقوى نظام، بل ستتعلق أيضاً بمن يحدد حدود هذه القوة.
ثلاث طبقات لقوة الذكاء الاصطناعي
يمكن فهم الجغرافيا السياسية للذكاء الاصطناعي من خلال ثلاث طبقات مترابطة: البنية التحتية، والمعلومات، والسلطة.
الاقتصاد العالمي قام دائماً على درجات مختلفة من الاعتماد المتبادل، لكن الاعتماد يتحول إلى مسألة استراتيجية عندما يصبح الوصول إلى التكنولوجيا قابلاً للتغيير بقرار سياسي. حين تتقاطع المصالح، قد يبدو الاعتماد نوعاً من الكفاءة، لكن حين تتباعد المصالح، قد يتحول الاعتماد إلى أداة ضغط
الطبقة الأولى هي البنية التحتية؛ فالذكاء الاصطناعي يعتمد على أشباه الموصلات المتقدمة، والقدرة الحاسوبية، والأنظمة السحابية، ومراكز البيانات، والطاقة الكهربائية، والخبرات التقنية، والوصول إلى النماذج المتطورة. والسيطرة على هذه الموارد تؤثر بالفعل في هامش الخيارات الاستراتيجية المتاح للدول.
ويقدم تعامل الولايات المتحدة مع رقائق الحوسبة المتقدمة مثالاً واضحاً على ذلك. فقد استخدمت واشنطن مراراً ضوابط التصدير ومتطلبات الترخيص لتنظيم الوصول إلى أشباه الموصلات المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي المتقدمة والاستخدامات العسكرية. وحتى بعد تعديل وزارة التجارة الأمريكية سياستها في كانون الثاني/يناير 2026، بما يسمح بمراجعة بعض صادرات الرقائق المتقدمة إلى الصين على أساس كل حالة على حدة، بقيت شروط أمنية صريحة قائمة. وبذلك لم يعد الوصول إلى القدرة الحاسوبية مسألة تجارية بحتة، بل أصبح جزءاً من أدوات إدارة القوة بين الدول.
كان هذا هو الانقسام الأول في قوة الذكاء الاصطناعي: من يسيطر على البنية التحتية للذكاء؟ قد تصبح دولة ما من كبار مستخدمي الذكاء الاصطناعي، لكنها تظل في الوقت نفسه معتمدة على رقائق أو منصات سحابية أو أنظمة تقنية تسيطر عليها أطراف خارجية.
ولا يعني الاعتماد في حد ذاته وجود خطر، فالاقتصاد العالمي قام دائماً على درجات مختلفة من الاعتماد المتبادل، لكن الاعتماد يتحول إلى مسألة استراتيجية عندما يصبح الوصول إلى التكنولوجيا قابلاً للتغيير بقرار سياسي. حين تتقاطع المصالح، قد يبدو الاعتماد نوعاً من الكفاءة، لكن حين تتباعد المصالح، قد يتحول الاعتماد إلى أداة ضغط.
ومع ذلك، فالبنية التحتية ليست سوى الطبقة الأولى، أما الطبقة الثانية فهي المعلومات.
الخطر الاستراتيجي يتجاوز المعلومات المضللة
الدعاية والأدلة المزيفة والتضليل السياسي ليست ظواهر ولدت مع الذكاء الاصطناعي، لكن ما يغيره الذكاء الاصطناعي هو الجمع بين السرعة، والحجم، والقدرة على الإقناع، وسهولة الاستخدام. فالأنظمة التوليدية تستطيع إنتاج نصوص وأصوات وصور ومقاطع فيديو شديدة الواقعية خلال دقائق، ثم دفعها إلى شبكات معلومات تعمل بسرعة تفوق كثيراً قدرة آليات التحقق التقليدية على الاستجابة.
وقد حددت استراتيجية حلف شمال الأطلسي المعدلة للذكاء الاصطناعي عام 2024 التضليل المدعوم بالذكاء الاصطناعي والعمليات المعلوماتية باعتبارهما من المخاطر الأمنية، محذرة من قدرتهما على التأثير في الانتخابات، وتقويض الثقة، وتعميق الانقسامات، والتأثير في المجتمعات والقوات المسلحة خلال النزاعات.
وتكمن أهمية ذلك في أن الخطر الجيوسياسي لا يتوقف عند مجرد تصديق الناس لمعلومة كاذبة، الخطر الأكثر حساسية هو سوء الإدراك الاستراتيجي. فالأزمات الدولية لا تتشكل فقط بناءً على ما تفعله الدول فعلياً، وإنما أيضاً بناءً على ما يعتقد الخصوم أنها تستعد للقيام به.
وسوء تقدير التعبئة العسكرية، أو النوايا السياسية، أو احتمال وقوع هجوم وشيك، يمكن أن يؤثر في قرارات حقيقية. والذكاء الاصطناعي قادر على جعل اكتشاف هذه التصورات الزائفة أكثر صعوبة، خصوصاً في الساعات الأولى من الأزمات.
في تشرين الأول/أكتوبر 2024، على سبيل المثال، انتشرت عبر الإنترنت صور مولدة بالذكاء الاصطناعي بدت وكأنها تظهر طائرات تهبط في مطار بيروت وسط النيران، بالتزامن مع غارات إسرائيلية قرب العاصمة اللبنانية. وتحققت وكالة رويترز من أن الصور لم تكن صوراً حقيقية، بل مواد مصطنعة. لم تؤد تلك الصور إلى أزمة جيوسياسية، لكنها قدمت نموذجاً واضحاً لكيفية دخول محتوى مصطنع ومقنع إلى بيئة معلوماتية مشحونة أصلاً بالنزاع، ومنافسته الأدلة الحقيقية على انتباه الجمهور.
والآن يمكن تصور القدرة نفسها خلال الساعات الأولى من مواجهة مباشرة بين دولتين. يظهر مقطع فيديو اصطناعي مقنع لرئيس حكومة يعلن تحركاً عسكرياً، وينتشر تسجيل صوتي مزيف يوحي بأنه صادر عن قائد عسكري بارز، وتظهر لقطات مصطنعة من ساحة القتال توحي بأن الهجوم قد بدأ بالفعل، ثم تعمل شبكات منسقة على تعزيز الرواية قبل أن تتمكن الحكومات أو وسائل الإعلام من التحقق من صحتها.
قد تكون المعلومات مصطنعة، لكن رد الفعل لا يلزم أن يكون كذلك. يمكن أن تتغير حالة التأهب العسكري، وتتحرك الأسواق، ويرتفع الضغط الشعبي للمطالبة بالرد، بينما تخسر القنوات الدبلوماسية ساعات حاسمة في محاولة معرفة ما الذي حدث بالفعل.
وهنا نصل إلى مسألة أكثر خطورة من التحذيرات التقليدية من “الأخبار الكاذبة”: المعلومات الاصطناعية قادرة على إنتاج نتائج جيوسياسية حقيقية. وقد لا يكون أكبر خطر مرتبط بالذكاء الاصطناعي في أزمة مستقبلية أن تتخذ الآلة بصورة مستقلة قراراً ببدء الحرب، بل أن يتخذ البشر قرارات لا يمكن التراجع عنها استناداً إلى معلومات صنعتها الآلات.
النقاش الغائب: قواعد الاستخدام الاستراتيجي
بدأت بالفعل أشكال مختلفة من حوكمة الذكاء الاصطناعي في الظهور، ولذلك لن يكون دقيقاً القول إن الذكاء الاصطناعي يعمل في فضاء يخلو تماماً من القواعد.
ففي عام 2024، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة من دون تصويت قراراً يدعو إلى أنظمة ذكاء اصطناعي “آمنة ومأمونة وجديرة بالثقة”. كما وضع حلف شمال الأطلسي مبادئ تتعلق بالمشروعية، والمساءلة، وقابلية التفسير، والموثوقية، وإمكانية التحكم، والحد من التحيز في تطبيقاته الدفاعية. وفي عام 2026، أطلق الحوار العالمي للأمم المتحدة منصة دولية دورية لمناقشة حوكمة الذكاء الاصطناعي بصورة أوسع.
لكن المشكلة تكمن في مكان آخر، فالنهج القائمة اليوم مجزأة، وقد صُممت لمؤسسات مختلفة ومخاطر مختلفة. وحتى الآن لا يوجد فهم استراتيجي دولي واسع ومشترك لكيفية التعامل مع الذكاء الاصطناعي أثناء الأزمات الأمنية بين الدول.
وهذه الفجوة تستحق قدراً أكبر بكثير من الاهتمام. على الحكومات أن تبدأ في تطوير قواعد للاستخدام الاستراتيجي للذكاء الاصطناعي. ينبغي وضع معايير أكثر صرامة بشأن الانتحال الاصطناعي لهويات رؤساء الدول والدبلوماسيين وكبار القادة العسكريين خلال الأزمات.
كما تحتاج الاتصالات الرسمية إلى آليات موثوقة للمصادقة الرقمية، تسمح للحكومات ووسائل الإعلام والجمهور بالتمييز بسرعة بين التصريحات الأصلية والمواد المزيفة المتطورة. وتحتاج المواد المنتجة بالذكاء الاصطناعي والمرتبطة بالنزاعات المسلحة إلى آليات أقوى للتحقق من المصدر والأصالة. كما يجب إخضاع الأنظمة الحكومية الحساسة لاختبارات مستقلة وتدقيق واضح، مع تحديد سلاسل المسؤولية البشرية في استخدام الذكاء الاصطناعي في الاستخبارات والتخطيط العسكري وإدارة الأزمات.
والأهم من ذلك أن الأنظمة القادرة على تقديم التوصيات يجب ألا تكتسب، بصمت وتدريجياً، سلطة اتخاذ القرار. المبدأ ينبغي أن يكون واضحاً: يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساهم في القرار الاستراتيجي، لكن لا يجوز أن يرث المسؤولية الاستراتيجية.
من يكتب القواعد يملك شكلاً من أشكال القوة
داخل نقاش الحوكمة تكمن قضية جيوسياسية أعمق: القواعد ليست محايدة، فالقدرة على كتابة القواعد هي في حد ذاتها شكل من أشكال القوة الجيوسياسية.
الدول والشركات التي تتصدر تطوير الذكاء الاصطناعي تمتلك بطبيعة الحال خبرة تقنية أكبر ونفوذاً مؤسسياً أوسع في تشكيل المعايير الناشئة، وقد تتحول اختياراتها إلى جزء من البنية العالمية للذكاء الاصطناعي قبل أن تمتلك الدول الأضعف القدرة اللازمة للتفاوض حول بدائلها.
وهذا يفتح الباب أمام انقسام ثان في عالم الذكاء الاصطناعي: الانقسام الأول يفصل بين من يسيطرون على البنية التكنولوجية ومن يعتمدون عليها، أما الثاني فقد يفصل بين من يكتبون القواعد ومن لا يملكون سوى العيش في ظلها.
وبالنسبة إلى الدول النامية والقوى المتوسطة، فلهذه المسألة أهمية خاصة. فإذا دخلت عصر الذكاء الاصطناعي بصفتها مجرد مستهلك، فإنها قد تصبح متلقية للقواعد مرتين: تعتمد على تكنولوجيا صُممت في الخارج، ثم تعمل وفق معايير صيغت في الخارج أيضاً.
وتنبع أهمية الحوار العالمي للأمم المتحدة لعام 2026 جزئياً من أنه يوسع دائرة المشاركة إلى ما يتجاوز العدد المحدود من الدول والشركات صاحبة أكبر القدرات التكنولوجية. لكن التمثيل لا يعني بالضرورة امتلاك النفوذ، فلا تستطيع حكومة ما الدفاع عن مصالحها في مفاوضات حوكمة الذكاء الاصطناعي بمجرد شغل مقعد في اجتماع دولي. يجب أن تفهم التكنولوجيا التي تتفاوض بشأنها، ويجب أن تعرف أين تبدأ تبعياتها، وما المعلومات التي تحتاج إلى الحماية، وأي الأنظمة تعد حيوية، وأي أشكال الاعتماد الخارجي يمكن أن تتحول إلى نقاط ضعف استراتيجية، أي أن القدرة التقنية تتحول تدريجياً إلى قدرة دبلوماسية.
معضلة القوى المتوسطة
تزداد حدة هذه المعضلة بالنسبة إلى الدول التي لن تبني منظومة الذكاء الاصطناعي كاملة بنفسها، لكنها ستعتمد عليها بصورة متزايدة. فالهدف الواقعي لهذه الدول لا ينبغي أن يكون الاكتفاء التكنولوجي الكامل، بل الحفاظ على حرية الاختيار الاستراتيجي.
تحتاج القوى المتوسطة إلى تنويع علاقاتها التكنولوجية، وبناء خبرة داخلية كافية لتدقيق الأنظمة المستوردة وتعديلها، وضمان وصول مرن إلى البنية التحتية الحيوية، إضافة إلى امتلاك مؤسسات تستطيع تقييم التحليلات التي يولدها الذكاء الاصطناعي بدلاً من قبولها بصورة آلية.
وتقدم باكستان نموذجاً لإحدى صور هذه المعضلة الأوسع. فهي ليست مضطرة إلى تصنيع كل شريحة متقدمة أو تطوير كل نموذج متقدم للذكاء الاصطناعي محلياً، لكن تسارع تبني هذه التكنولوجيا يجب ألا يجعل المؤسسات ذات الأهمية الاستراتيجية معتمدة على أنظمة لا تستطيع فهمها أو تدقيقها أو استبدالها بصورة كافية.
وبالنسبة إلى باكستان، ستتقاطع سياسة الذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة مع السياسة الخارجية، والمرونة السيبرانية، وأمن المعلومات، والأمن القومي. والهدف ليس الانعزال عن التكنولوجيا العالمية، بل البقاء على اتصال كافٍ للاستفادة من الابتكار، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بما يكفي من القدرات والبدائل للحفاظ على حرية الاختيار الاستراتيجي. وهذه ليست معضلة باكستانية حصراً، بل ستواجه أشكالاً مختلفة منها قطاعات واسعة من العالم النامي.
أما الطبقة الثالثة من قوة الذكاء الاصطناعي فهي أكثر جوهرية من البنية التحتية أو المعلومات؛ إنها السلطة. يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل كميات من البيانات لا يمكن لمسؤول واحد معالجتها بمفرده، ويمكنه اكتشاف الأنماط، وبناء السيناريوهات، وحساب الاحتمالات، وتقديم التوصيات بسرعة تتجاوز قدرات البيروقراطيات التقليدية. وستجعل هذه القدرات استخدامه أكثر جاذبية للحكومات، لكنها تخلق أيضاً إغراءً خطيراً.
قد تتحول الكفاءة، بالتدريج، إلى ما يشبه السلطة. يمكن لخوارزمية أن تقدر احتمالات نجاح تصعيد عسكري، لكنها لا تستطيع تحمل مسؤولية بدء الحرب. وقد تحدد السياسة الأكثر كفاءة من الناحية الاقتصادية، لكنها لا تستطيع أن تقرر حجم التكلفة الاجتماعية التي ينبغي لمجتمع ما أن يتحملها. ويمكنها تصنيف التهديدات، لكنها لا تستطيع تحديد التضحيات التي تمتلك شرعية سياسية.
الاحتمال ليس مسؤولية. ولهذا التمييز أهمية خاصة، لأن سيادة الدولة يمكن أن تتآكل من دون أن يسيطر عليها طرف أجنبي بصورة مباشرة. فقد تمتلك دولة قدرة حاسوبية محلية، وبيانات محمية، وأنظمة ذكاء اصطناعي متطورة، ومع ذلك تخسر جزءاً مهماً من استقلالها الاستراتيجي إذا توقفت مؤسساتها تدريجياً عن مساءلة النتائج والتوصيات التي تقدمها تلك الأنظمة. وعندها لا نكون أمام اعتماد تكنولوجي فحسب، بل أمام اعتماد معرفي وذهني.
ما يحتاجه العالم أكثر عملية: معايير موثوقة للاستخدام الاستراتيجي، وآليات سريعة للتحقق أثناء الأزمات،
ومساءلة واضحة عندما يدخل الذكاء الاصطناعي في القرارات عالية الخطورة، ومشاركة أوسع في تحديد كيفية تطور هذه المبادئ
كان السؤال القديم يدور حول ما إذا كانت الآلات ستصبح ذات يوم ذكية إلى درجة تجعلها بديلاً عن التفكير البشري، أما السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم فهو مختلف: هل سيظل البشر راغبين في ممارسة الحكم المستقل عندما تستطيع الآلات تقديم إجابات أسرع، وبمظهر يوحي بدرجة عالية من اليقين الرياضي؟
وهنا تظل اللغة الفكرية القديمة للتأمل والتدبر ذات صلة عميقة بالمسألة. فمفهوما التفكر والتدبر، بما يحملانه من معنى الوعي والتأمل والمراجعة، يعبران عن حاجة لا يمكن للتطور التكنولوجي أن يلغيها. زيادة القدرة على إنتاج الذكاء لا تلغي الحاجة إلى الحكم البشري؛ يمكن للتكنولوجيا أن توسع قدرة الإنسان، لكن لا ينبغي لها أن تنقل سلطته إلى الآلة.
من يكتب قواعد اللعبة سيشارك في تشكيل النظام العالمي للذكاء الاصطناعي
يتحول الذكاء الاصطناعي إذاً إلى قوة جيوسياسية عبر ثلاثة مسارات: السيطرة على البنية التحتية تخلق النفوذ، والقدرة على التأثير في المعلومات تستطيع تشكيل الإدراك، أما السيطرة على القواعد فتحدد الشروط التي سيستخدم الآخرون التكنولوجيا في ظلها.
وليس من الضروري أن تهيمن الدول نفسها على المسارات الثلاثة جميعاً، فالدول التي لا تستطيع بناء أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تطوراً قد تظل قادرة على التأثير في المعايير الدولية. وقد تستطيع القوى المتوسطة بناء نفوذ عبر البنية التحتية أو الأسواق أو الدبلوماسية أو التشريعات، كما تستطيع الدول النامية المشاركة في بناء قواعد الحوكمة بدلاً من تلقيها بعد أن تتحول إلى واقع عالمي يصعب تغييره.
لكن ذلك يتطلب من الحكومات أولاً أن تدرك أن حوكمة الذكاء الاصطناعي لم تعد نقاشاً تقنياً متخصصاً، إنها تتحول إلى جزء من السياسة الدولية. العالم لا يحتاج إلى قواعد هدفها وقف تطور الذكاء الاصطناعي، كما أن تشريعاً عالمياً واحداً لن يكون قادراً بصورة واقعية على معالجة جميع المخاطر المدنية والتجارية والعسكرية والسياسية؛ ما يحتاجه العالم أكثر عملية: معايير موثوقة للاستخدام الاستراتيجي، وآليات سريعة للتحقق أثناء الأزمات، ومساءلة واضحة عندما يدخل الذكاء الاصطناعي في القرارات عالية الخطورة، ومشاركة أوسع في تحديد كيفية تطور هذه المبادئ.
الخطر ليس أن الحوكمة لن تظهر، الخطر أن تصل بعد أن تكون موازين القوة قد توزعت بالفعل. ولهذا فإن السؤال الحاسم في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد فقط: من يستطيع بناء النظام الأقوى؟ بل: من يملك الحق في تحديد كيفية استخدام ذلك النظام؟ وأي مخاوف أمنية ستُؤخذ في الاعتبار؟ وأي تصورات ستتحول إلى قواعد يعمل الآخرون في ظلها؟
قد يصبح الذكاء الاصطناعي عاملاً متزايداً في تشكيل القوة العالمية، لكن القواعد التي تحكم هذه القوة سيكتبها البشر. والسؤال هو: من سيمسك بالقلم؟
ويبقى الحد الفاصل الذي لا ينبغي أن يضيع مهما ازدادت الآلات قدرة: قد يكون الذكاء اصطناعياً، أما المسؤولية فلا يمكن أن تكون كذلك.

