السيادة الاقتصادية لم تعد في القرن الحادي والعشرين مجرد واحد من مكونات الأمن القومي، بل تحوّلت إلى جوهره الحقيقي، إذ باتت قوة الدول تُقاس اليوم بقدرتها على حماية اقتصادها الداخلي من الصدمات الخارجية، أكثر مما تُقاس بحجم ترسانتها العسكرية أو ميزانياتها الدفاعية.

في النظام الدولي المعاصر، لم يعد الأمن القومي مفهوما عسكريا صرفا، بل أصبح سردية اقتصادية متكاملة، لأن الدول التي تقوم معدلات نموها على الاعتماد المفرط على الواردات، أو على أسواق تصدير محدودة، أو على سلاسل إمداد هشة، تصبح عرضة للانكشاف الاستراتيجي عند أول اضطراب جيوسياسي أو مالي. وتشير المعطيات العالمية إلى أن ما يقارب 70 في المئة من دول العالم تعتمد على الخارج لتأمين ما لا يقل عن 40 في المئة من احتياجاتها من الطاقة، بينما تعتمد عشرات الدول على الاستيراد لتغطية ما بين 50 و60 في المئة من أمنها الغذائي، وهو ما يحوّل أي أزمة دولية إلى تهديد مباشر للاستقرار الداخلي والسيادة السياسية.

الدول التي تستثمر في التشغيل، وتبني اقتصادا قائما على المهارات، وتربط التعليم بسوق العمل، تقلّل من التوترات الداخلية وتكتسب في الوقت نفسه وزنا خارجيا أكبر


لهذا السبب، أعادت الولايات المتحدة، التي يناهز ناتجها المحلي الإجمالي 26 تريليون دولار، تعريف بعض القطاعات الصناعية بوصفها مسألة أمن قومي، خصوصا في مجال أشباه الموصلات والتكنولوجيا المتقدمة، بعدما تبيّن أن تركّز الإنتاج العالمي لهذه الصناعات في مناطق محدودة يشكّل نقطة ضعف استراتيجية تمسّ الاقتصاد والدفاع معا. وعلى المنوال ذاته، بنت الصين، التي تمثل قرابة 30 في المئة من الإنتاج الصناعي العالمي وتشكّل صادراتها نحو 20 في المئة من ناتجها المحلي، نموذجا يقوم على تعميق القاعدة التصنيعية وتوسيع السوق الداخلية، بما يسمح لها بامتصاص آثار العقوبات والضغوط التجارية دون الانزلاق إلى الانهيار. أما ألمانيا، صاحبة الاقتصاد الصناعي الأكبر في أوروبا، فقد اكتشفت أن اعتمادها على الغاز الروسي بنسبة تجاوزت 50 في المئة لم يكن مجرد خيار اقتصادي خاطئ، بل إخفاقا في تقدير متطلبات الأمن القومي، ما دفعها إلى إعادة صياغة سياساتها الطاقوية بوصفها جزءا من استراتيجيتها الأمنية.

هذه النماذج المقارنة تكشف أن الأمن القومي لم يعد مرتبطا بوفرة الموارد، بل بحسن إدارة البنية الاقتصادية. فالدول التي تحصر صادراتها في أسواق محدودة، أو تترك صناعاتها الحيوية رهينة للقرارات الخارجية، تبدو قوية ظاهريا لكنها هشة بنيويا، في حين أن الاقتصادات التي تنوّع أسواقها، وتعزّز عمقها الصناعي، وتبني قدرة عالية على امتصاص الصدمات، تتحول من دول متلقية للضغوط إلى أطراف قادرة على التفاوض وصناعة القرار. وهنا يبرز دور المواطن بوصفه الركيزة الخفية للأمن القومي؛ فالدول التي تستثمر في التشغيل، وتبني اقتصادا قائما على المهارات، وتربط التعليم بسوق العمل، تقلّل من التوترات الداخلية وتكتسب في الوقت نفسه وزنا خارجيا أكبر، لأن الاستقرار الاجتماعي بات شرطا مسبقا للاستقرار الجيوسياسي.

وفي هذا السياق، يبرز الفرق الجوهري بين نماذج الحكم القديمة والحديثة. ففي السابق، كان يُنظر إلى قوة الدولة من خلال مركزية السلطة أو صلابة النظام، سواء كان ملكيا أو استبداديا، ثم جاءت الديمقراطية بوصفها نموذجا يَعِدُ بحماية المواطنين سياسيا. أما اليوم، فقد تبيّن أن الدولة، أيّا كان نظامها، 

التحدي الحقيقي أمام العالم الإسلامي لا يكمن في قوة كل دولة على حدة، بل في قدرته على تحويل هذا التنوع إلى تكامل اقتصادي فعّال

لا تكتسب استقرارها الحقيقي إلا بقدر ما تحمي مواطنيها اقتصاديا، وتوفّر لهم فرص العمل، والمهارات، والكرامة المعيشية. فكلما تعاظم اهتمام الدولة بالإنسان، ازداد تماسكها الداخلي، وتعزّز حضورها الخارجي، وأصبحت أكثر قدرة على اتخاذ قرارات سيادية مستقلة في بيئة دولية شديدة التقلب.

وإذا ما انتقلنا إلى البعد التاريخي، نجد أن هذا الفهم ليس غريبا عن التجربة الإسلامية. فقد ارتبط استقرار الدولة في التاريخ الإسلامي بنظام مالي منضبط تجسّد في بيت المال، وبأمن غذائي قائم على التخزين الرشيد، وبحماية طرق التجارة، وبالتحرّز من الارتهان للديون الخارجية، باعتبار ذلك مساسا بالسيادة. لم تكن القوة آنذاك نتاج السيف وحده، بل ثمرة منظومة اقتصادية متكاملة جعلت من مراكز مثل المدينة ومكة ودمشق وبغداد والقاهرة وحدات متكاملة لا متنافسة، حيث كانت قوة كل إقليم تعزّز قوة الآخر. واليوم، تمتلك الدول الإسلامية مقومات مشابهة، إن لم تكن أوسع: رؤوس أموال في الخليج، وموارد بشرية شابة في جنوب آسيا وأفريقيا، وخبرات صناعية وتقنية في تركيا وماليزيا وإندونيسيا، وأسواق استهلاكية ضخمة تمتد عبر ثلاث قارات.

إن التحدي الحقيقي أمام العالم الإسلامي لا يكمن في قوة كل دولة على حدة، بل في قدرته على تحويل هذا التنوع إلى تكامل اقتصادي فعّال. فحين تتلاقى الاستثمارات مع المهارات، وتتقاطع الأسواق مع الصناعة، ويتحوّل التعاون إلى سياسة لا إلى شعار، يصبح الناتج أكثر من مجرد جمع، ويتحوّل واحد زائد واحد إلى قوة مضاعفة. عندها، لا تكتسب الدول الإسلامية استقرارا داخليا فحسب، بل يظهر للعالم نموذج إسلامي حديث قادر على التأثير في الجغرافيا السياسية من دون ضجيج، وعلى فرض حضوره من خلال الاقتصاد لا الصراع. تلك هي المعادلة الجديدة للأمن القومي في عصرنا: إنسان قوي، ودولة مستقرة، وتكامل اقتصادي واعٍ ومن دون ذلك، يبقى الأمن شعارا بلا مضمون.