إذا نُظِر إلى الحرب في اليمن على أنها مجرد مواجهة عسكرية محدودة بين السعودية وجماعة الحوثي، فإن الصورة تبقى ناقصة، بل ومبسّطة على نحوٍ خطير. فما بدأ عام 2015 تحوّل مع مرور الوقت إلى مسرح أمني إقليمي، امتدت تداعياته إلى ما هو أبعد من الخليج، ليطال دولا مثل باكستان. بالنسبة للمملكة العربية السعودية، لا يُعدّ اليمن ساحة بعيدة، بل تحديا للأمن القومي على طول حدود طويلة وهشّة. فقد دفعت هجمات الطائرات المسيّرة، والتهديدات الصاروخية الباليستية، وحالة عدم الاستقرار المستمرة، الرياض إلى قناعة بأن إنهاء هذا الصراع بات ضرورة، ولكن بشروط لا تُضعف الردع، ولا تمسّ هيبة الدولة، ولا تُقوّض أمنها المستقبلي.
في السياق ذاته، سلكت دولة الإمارات العربية المتحدة مسارا مختلفا، وإن كان لا يقلّ استراتيجية. فبعد مرحلة أولى من الانخراط العسكري المباشر، أعادت أبو ظبي صياغة مقاربتها؛ جرى تقليص الكلفة العسكرية والحضور الميداني، من دون التخلي عن النفوذ. وبدلا من ذلك، تحوّل التركيز إلى جنوب اليمن، والقوى المحلية، والموانئ، والسواحل، وخطوط الملاحة البحرية، في نموذج يعكس الحفاظ على النفوذ الاستراتيجي من دون الانغماس في حرب مفتوحة طويلة الأمد.
تحتل باكستان موقعا بالغ الحساسية والأهمية في هذا المشهد. فقد كانت السعودية شريكا موثوقا لإسلام آباد عبر عقود، سواء من خلال تسهيلات الطاقة، أو الدعم المالي، أو الإسناد الدبلوماسي في أوقات الضغوط الدولية. وفي المقابل، تُعدّ الإمارات جزءا أساسيا من الاقتصاد اليومي الباكستاني؛ إذ يعمل ملايين الباكستانيين على أراضيها، وتشكل تحويلاتهم المالية ركيزة حيوية للاقتصاد الوطني. في مثل هذا السياق، يصبح الانحياز العلني لأي طرف خيارا غير ممكن وغير حكيم. لذلك تبنّت باكستان نهجا متوازنا وغير تصعيدي، يتجنب الانخراط العسكري المباشر، ويحافظ على علاقات مستقرة مع الشركاء، ويبتعد عن نزاعات لا تملك السيطرة على مآلاتها.
هذا النمط من الحذر لا يقتصر على جنوب آسيا أو الخليج، بل بات سمة أوسع في السياسة الدولية. فاستراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025 تعكس تحولا واضحا في أدوات القوة: تراجع الاعتماد على الحرب المباشرة، مقابل تصاعد أهمية التموضع، وبناء التحالفات، وقرارات الاعتراف السياسي، وأطر الأمن الجماعي. تزايد الاهتمام بغرينلاند يرتبط بمسارات القطب الشمالي والمعادن النادرة، وعودة فنزويلا إلى واجهة الاهتمام تعكس تشابك الطاقة بالجغرافيا السياسية، بينما تواجه دول مثل بنغلاديش أسئلة عميقة حول الهوية، والحكم، والأمن في ظل جيل شاب يبحث عن معنى ودور للدولة.
ورغم أن هذه التطورات قد تبدو متفرقة، إلا أنها في جوهرها تعبّر عن دينامية واحدة: الدول تختبر حدود بعضها البعض، وتُقَيِّم ردود الفعل، وتقيس القدرة على التحمّل من دون الانزلاق إلى الحرب. ومن هنا، باتت بعثات حفظ السلام، ونقاشات الاعتراف السياسي، والإنذارات الأمنية، وإعادة التموضع الدفاعي، جزءا من قاموس عالمي مشترك يقوم على الإشارة والضبط لا على المواجهة المباشرة.
بالنسبة لباكستان، ليس هذا وقت القرارات الانفعالية، ولا زمن الصمت الاستراتيجي. بل هو مرحلة تتطلب توازنا دقيقا، ووضوحا دبلوماسيا، وحساسية إقليمية عالية. غير أن هذا المسار لا يخص باكستان وحدها. فالعالم بأسره يدخل مرحلة تُعامَل فيها الحرب -أو أي شكل من أشكال العمل المسلح- باعتبارها الخيار الأخير، بعد استنفاد أدوات السياسة، والتموضع، والدفاع المدروس.
ومع اقتراب عام 2025 من نهايته، يمكن الأمل بأن يشكّل عام 2026 مساحة لمزيد من ضبط النفس، وتعزيز الدبلوماسية، وتراجع نسبي في منسوب التصعيد بين الدول. وإذا ما أُعطيت الحكمة السياسية والتوازن الاستراتيجي الأولوية قبل اللجوء إلى القوة، فقد لا يكون هذا التحول مجرد مرحلة توتر، بل خطوة حذرة نحو قدر أكبر من الاستقرار. وفي هذا التوازن تحديدا تتجلّى الأهمية الحقيقية لمفهوم التدقيق من دون حرب.

